
*لأخير فى الدنيا.. معدودة اياما *
الموت يكذب هذه المرة.. فأشجار التبلدى لاتموت،..التبلدية عبد القادر سالم نعرف علته ومرضه فهو’ أسير غزال فوق القويز ‘ و ‘ مكتول هواك ياكردفان’ وهو فى انتظار رد سؤاله للمحبوبة ” انت عابر سكة فايت ولاجيت قاصد تزورنا.. الف مرحب بيك حبيبنا ياالدوام فى الظلمة نورنا’ وهو قد التمس ان نكلم “قمارينا ودى السلام لينا قول ليها مانسينا “…..وربما حل ” اللورى” بعبد القادر” فى الوديي” بحثا عن ” ليمون بارا” فأعطب مايدور حولها حالياً قلبه الكبير…لكنه يعلم فى ترنمه ” للبسامة….. الفايح نساما.. ” ان “لأخير فى الدنيا.. معدود ة اياما”.. فلتغشاك الرحمة والمغفرة ويتغمدك المولى بواسع رحمته ويجزيك مضاعفا بقدر إمتاعك لسنوات عمرنا..فقد افجعنا رحيلك.
*السفير عبد المحمود عبد الحليم
*********************
اما حكاية!
ايهاب مادبو
“الليله غاب تومي
الليلة غاب تومي خلوني ياخلايق
بعد نجوم الليل ناار الغرام ضايق
حلو كلام الريد الفي الضمير شايق
زولي رحل ياناس غير شوفتة مارايق
نعي الناعي صباح اليوم الثلاثاء، الموافق 16 ديسمبر 2025م، الفنان القامة عبد القادر سالم والذي حلّق بالأُغنية الكردفانية في سموات من التطريب والإبداع، لما يقارب نصف قرن من الزمان، ترجم فيها الحان الجمال الي اوتار وأنغام.
ويُعد الفنان عبدالقادر سالم، من الجيل الثاني في الأغنية الكردفانية، بعد الفنان إبراهيم موسي ابا، فحمل هو وعبدالرحمن عبدالله وام بلينة السنوسي لواء الإبداع الكردفاني المُستمد من الطبيعة والمستوحي الحانه من طقوس وتضاريس كردفان المفعمة بالروعة والجمال.
ﺍﺳﻴﺮ ﻏﺰﺍﻝ ﻓﻮﻕ ﺍﻟﻘﻮﻳﺰ
ﻛﻼﻡ ﻏﺰﻝ ﻣﻌﺴﻮﻝ لذيذ
ﺩﻣﻌﺎﺕ ﻋﺘﺎﺏ ﻣﻦ ﺯﻭﻻً ﻋﺰﻳﺰ
ﺳﺎﻟﺖ ﺑﺤﺮ ﺳﻘﺖ ﺍﻟﻘﻠﻴﺐ ﻓﻰ ﻛﺮﺩﻓﺎﻥ
تميّز الفنان عبدالقادر سالم، بقدرته على تحويل الأغنية إلى مساحة تعبير بصري ووجداني، فشكّل عبر أعماله لوحات إبداعية عكست تداخل الثقافة بالأرض والهوية،فاستهلم مفرداته من البيئة المحلية وتجارب الناس اليومية، فجاءت اغنايته معبّرة عن علاقة الإنسان بمحيطه، وحاملة لبعدٍ ثقافي يتجاوز الترفيه إلى التوثيق والذاكرة الجماعية.
قدريشنا حلاتة قدريشنا
في دلالا فينا بتمنى
مالو بخاف الريد ..
وريدو والله كاتلنا
وظّف الفنان عبدالقادر سالم التراث المحلي بوصفه لغةً مشتركة تجمع مكوّنات المجتمع، فاستلهم الرموز الشعبية والعادات والتقاليد والفنون الشفاهية ليقدّم أعمالًا تُبرز القيم الإنسانية الجامعة، مثل التسامح والتضامن واحترام التنوع، وذلك من خلال إعادة إحياء الموروث الثقافي في سياق معاصر.
دى اللورى حل بي
دلانى انا فى الودي
حبيبى سيد الناس
يبقى لي وناس
كما قام باعتماد الاغنيات الشعبية،وتوظيف الحانها الشعبية، مستندًا إلى مخزون سمعي راسخ في الذاكرة الجمعية، غير أن هذا التوظيف لم يأتِ على نحوٍ توثيقي أو نقلي مباشر، بل جرى إخضاعه لمعالجة فنية أعادت تشكيل هذه الألحان داخل بناء موسيقي جديد.
الليله غاب تومي خلوني ياخلايق.
بعد نجوم الليل ناار الغرام ضايق
صبراً بجيب الخير لناره ماطايق
حبل الصبر ممدود بالخير بجيب سايق
استهلم الفنان لحن قديم اغنية شعبية للمردوم في بادية الحوازمة، وهي اغنية مسموعة اعاد تدويرها مجددا بذات النسق الموسيقي الفنان عباس عبده، حيث تقول كلماتها
حوالي الساعة خمسة
يوم طريتا قاعدة ببكي
بلغوا سلامى لروحي الفارقتني
قام عبدالقادر سالم بتوظيف هذا اللحن، في عمل مع الشاعر الغنائي عبدالله الكاظم، الذي كتب له اغنية “الليلة غاب تومي”،وقد أسهم هذا الخيار في ترسيخ الهوية الثقافية للعمل، مع فتحه في الوقت ذاته لمساحة حوار بين التقليدي والمعاصر.
**********
وداعا …
(أسير غزال فوق القويز)
خفت الصوت الذي يشبه الوطن حين يغني..لم يكن مجرد اسم لامع في سجل الفن بل أحد الأعمدة التي حملت الأغنية السودانية على أكتافها لأكثر من أربعة عقود.
الفنان الدكتور عبد القادر سالم ..ظل حاضرا في كل الساحات.. غنى للناس كما غنى للأرض.. منح الفن معنى الرسالة وجعل من صوته مرآة للسودان في أفراحه وقلقه وأحلامه.
جسّد الأغنية الكردفانية حتى غدت كردفان بجهده تنطق لحنا، فصدح معه الجميع بمحبة صادقة (مكتول هواك أنا يا كردفان) ومزج تراثها الموسيقي العميق بالمقامات السودانية فأصبح رمزا للهوية الثقافية لغرب السودان.
كان صاحب حضور محبب داخل البلاد وخارجها .. حيثما ارتحل صوته حمل معه رائحة الرمال وندى الدعاش وخضرة الخريف.
لم يكن فنانا وحسب بل باحثا في موسيقى التراث.. قدّم المحاضرات واشتغل على الذاكرة الغنائية بعقل العارف ووجدان العاشق فأسهم في صون التراث وتقديمه للأجيال بوعي وجمال.
على منصات المهرجانات الدولية، حمل الأغنية السودانية بنكهتها الخاصة، فأكسبها مكانة عالمية وعرّف بها الآخر كفن حيّ نابض بالإنسانية.
في موسم المطر يأتيك صوته بكل النداوة ورائحة الرمل:
إنت عابر سِكّة فايت
ولا جيت قاصد تزورنا
ألف مرحب بيك حبيبنا
يا الدوام في الظلمة نورنا
وعندما يترنم ب(حليوه يا بسامه الفايح النساما .. الريدة في قلوبنا، الله علاما) تتفتح الروح على نسيم الفرح، بينما يحلق عاليا في (ليمون بارا) موظفا ملكاته اللحنية وحنجرته ليصنع أغنية تربعت في سفر الإبداع السوداني.
ستظل أغنياته خالدة في الذاكرة وسيبقى صوته ظلا مشبعا بالحنين، ما دام في الناس شغف بالجمال وفي الروح متسع للغناء..
بلبل الغرب.. اللهم أرحمه وأغفر له.
الاعلامي الزبير نايل
*********
فضيلي جماع:
وطارت أنغام عبد القادر سالم: من السنجكاية إلى كوين أليزابث هول بلندن ! ====== ======= في حوار صحفي مع الموسيقار السوداني العالمي حمزة علاء الدين ، أجاب على سؤال: من هو المطرب السوداني بنظرك الذي نقل الغناء والموسيقى السودانية إلى مصاف العالمية؟ أجاب علاء الدين : إنه الفنان عبد القادر سالم. فقد نقل أغنيات منطقته بأنماطها الموسيقية وإيقاعاتها المختلفة إلى رحاب العالمية!
عرفت عبد القادر سالم ردحاً من العمر. جمعت بيننا زمالة تقديم ما أطلق عليه إعلام الخرطوم (الأغنية الكردفانية) – تقديمها للمستمع على نطاق القطر. كنت في بداية دراستي الجامعية. لم تتخط علاقتنا – هو وأنا يومذكاك- طور التعاون بين شاعر غير مكثر في شعر العامية وفنان ذاع صيته آنذاك بين الناس. وبمرور الوقت رأيت في عبد القادر سالم ما لم يره كثيرون. رأيت فيه المطرب صاحب الرسالة. كم حمل مسجل (أوهير) ذا التسجيل المغناطيسي القوي ، وجاب بوادي كرفان الواسعة ليجلس إلى الحكامات مستمعاً لأنماط من الغناء. فيقوم بتسجيل ما لزم. لم يركن إلى تجربته كمطرب فحسب ، بل حمل إلى جانبها ذائقته التي دعمتها دراسته الأكاديمية للموسيقى في معهد الموسيقى والدراما. لذا فإن كثيراً من ألحانه النادرة لم تكن سوى موتيفات قصيرة ترددها البنات ويرقص الشبان إثرها على الإيقاع. ثم يأتي دور عبد القادر سالم في البحث عن نص شعري مناسب من حيث الكلمات والمعنى والإيقاع. وهذه صفة لا يتميز بها إلا مطرب ذكي يعرف كيف يقدم المادة الخام في طبق يستدر شهية المستمع. هنا التقينا – هو وشخصي الضعيف .. أن الإنسان – إنسان الهامش – صاحب الفضل في هذه الأغنيات والإيقاع النادر والمختلف هو من يجب أن نعمل جاهدين لتقديم صوته للآخرين. وطبعاً قطع عبد القادر شوطاً طويلاً في هذا المسعى عبر أبحاثه الأكاديمية الجادة عن التراث الشعبي في غرب السودان ، إلى أن توّج تلك الجهود بحصوله على درجة الدكتوراه في العام 2005م في مبحث بعنوان (الأنماط الغنائية في إقليم كردفان ودور المؤثرات البيئية في تشكيلها.)ذاك جزء من رحلة الطموح لمدرس الإبتدائية القادم من قرية مغمورة (السنجكاية) في جنوب كردفان، حيث لم يكتف بمعهد التربية الدلنج ، بل حمله صوته الشجي وإيقاعات المردوم والدرملي والجراري والتويا من إقليم كردفان إلى قلب عاصمة البلاد (معهد الموسيقى والمسرح)) عام 1970 .. طالباً ومطرباً ملء السمع والبصر.
في قاعة (كوين اليزابيث هول)على شط نهر الثيمز بقلب حاضرة الديار البريطانية لندن، قدم عبد القادر سالم وفرقته الموسيقية من ألوان الطرب والإيقاعات – وعلى رأسها المردومم والجراري ما أدهش الحضور البريطاني الكثيف للأمسية. كنت حضوراً لكني أترك التعليق للقانوني مولانا إسماعيل التاج في انطباع قصير كتبه عن تلك الأمسية، ختمه بقوله: (في الختام سألت إنكليزية عن رأيها في الحفل. قالت بكلمات قليلة ..على عادة الإنكليز في عدم الثرثرة: (((Wonderful, fantastic, unbelievable performance– ما ترجمته: أداء رائع ، ممتاز ، لم أصدق ما شاهدت!)
هل يعرف محبو غناء عبدالقادر سالم جانب الإنسان فيه؟ أدعي أن سنوات صداقتي به – وهي حصة من العمر غير قصيرة – أعطتني الفرصة لأعرف عبد القادر الإنسان عن كثب. ولعل هذا ما أمكن لصداقتنا وربطها بحبل متين حتى سبقني إلى دار الخلود صباح اليوم. وأظن من الإنصاف أن أذكر هنا أن وجود زوجة عظيمة -السيدة آسيا المكي – حفيدة العارف بالله إسماعيل الولي – إلى جانب زوجها عبد القادر سالم هو ما جعل صلته بأهله وبره بوالدته لها الرحمة ، ورعايته لاخواته وإخوته عملاً دائباً لا ينقطع. منزل عبد القادر سالم لا يخلو من الضيوف، وآسيا المكي لا تشكو ولا تتذمر. وعبد القادر يصل عائلات زملائه ممن غاب عائلهم أو مرض. ويقوم بالواجب. ولعله لو كان على قيد هذه الفانية وقرأ ما كتبت لوبخني أنا الذي لم أسمع منه كلمة نابية طوال عمر صداقتنا. كان محباً لزملائه: حمد الريح الذي استضافه في بيته بتوتي وهو الطالب بمعهد الموسيقى والمسرح، أبوعركي البخيت الذي حين سألته ذات مرة: هل ترى من زميل في الوسط الفني يصل زملاءه بالصورة التي أراك تقوم به يا عبد القادر؟ رد بسرعة: نعم .. أبوعركي البخيت! ثم أضاف: يا فضيلي إنت ما شفت عركي دا كان بخدم ويمارض جاره الفنان خليل اسماعيل لما اشتد المرض بخليل!
في رحلة شهيرة بعد عودتي للوطن عقب اندلاع ثورة ديسمبر، اصطحبت فيها نفراً كريماً من الإخوة والأخوات الصحافيين والأدباء. فاجأني عبد القادر سالم باتصال هاتفي بأنه علم بالرحلة إلى غرب كردفان. وسوف يصطحبنا بفرقته كاملة. ولعل زملاء الرحلة: ياسر العوض وخالد طه والمهل – وكنا جميعاً في سيارة لاندكروزر ضمن الكنفوي يذكرون جانب الطرفة النادرة والسخرية اللطيفة التي يمتاز بها الفنان الراحل ، ما جعل رحلتنا الشاقة من لقاوة إلى الفولة إلى بابنوسة إلى المجلد في طرق وعرة غير مسفلتة ممتعة. وما زالوا يذكرونها حتى اليوم.
وأختم بالوفاء الذي كان طبعا من طباع أخي وصديقي الراحل ملك المردوم عبد القادر سالم عبد القادر. حين اختتمنا تلك الرحلة الشهيرة لولاية غرب كردفان في العاشرة صباحاً بكبرى مدنها – المجلد كان استقبال أهلها لنا يفوق الوصف: فرسان على صهوات الخيل ، وطابور من السيارات. أصرت أسرة كاتب هذا المقال أن يكون تناول الضيوف للإفطار بالمنزل. ورغم أن (بيت المعتمد) هو نزل الضيافة في المدن الأربع الكبرى لبعثتنا كما قضى والي الولاية اللواء احمد عبد الله إلا إن إثنين من أعضاء البعثة: الدكتور عبد القادر سالم والاستاذ القاص حامد بدوي بشير قرر كل منهما من تلقاء نفسه أن يبقى فترة الضيافة القصيرة معي بمنزل الأسرة. سألت عبد القادر صباح اليوم التالي: عاجبك التعب دا ؟ والناس داخلة وطالعة من دغش الرحمن عشان يشوفوك ويتصوروا معاك!! أجابني بهدوء: ديل يا فضيلي هم سبب نجاحنا ! خجلت ولم أعقب. لأني بعد عودته في اليوم الثالث للخرطوم بقيت أسبوعاً لم اذق فيه طعم النوم من كثرة الزائرين من الأهل .. وكنت في قمة السعادة وأنا أسمع من آن لآخرر ترداد جملة: سلام عليكو.. الأستاذ موجود؟؟
هذا قليل من كثير جلست اليوم بعد رحيلك إلى دار البقاء لأعزي نفسي ومحبيك فيه. تقبلك الله في ملكوته الأعلى مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسنأولئك رفيقا. وجعل السكينة والطمأنينة والصبر في قلوب كل محبيك وفي قلب كل فرد من أفراد أسرتك الصغيرة المكلومة. وجعل البركة والخير في ذريتك من بعدك.
فضيلي جماع لندن 16 ديسمبر 2025.
**********
عبد القادر سالم: غشيت روحك الزقّاية الباردة
خالد محمد فرح
رحل عن دنيانا مأسوفاً عليه بالأمس، المغني الفذ ، والمربي، والمعلم، والعالم، والباحث ، والنقابي، ورجل المجتمع، الفنان الكبير الدكتور عبد القادر سالم ، فخلّف في قلوب جميع السودانيين حسرةً ممضة، أضيفت إلى ما ظلوا يتجرعونها من غصص وحسرات رهيبة، حلت عليهم وعلى بلادهم الوادعة، بسبب هذه الحرب المدمرة.
برحيل عبد القادر سالم، تنفرط آخر درة من درر ذلك العقد المتوهج ، من مطربي ما كانت تعرف بالأغنية الكردفانية، ذات اللونية الإيقاعيّة واللحنية والموسيقية واللهجية الفريدة والمميزة. تلك الكوكبة من المطربين الذين ظهروا معاً في مطلع عقد السبعينات من القرن الماضي، من خلال الاذاعة الوطنية: هنا أم درمان، ألا وهم الفنانون: إبراهيم موسى أبا، وصديق عباس، وعبد القادر سالم، وعبد الرحمن عبد الله، وعبد الله الكردفاني، رحمهم الله جميعا.
بيد أن عبد القادر سالم قد تفرد من بين رصفائه أولئك المذكورين جميعهم، بحرصه على تجويد وتطوير إبداعه الغنائي من ناحية، وبترقية ملكاته الشخصية، التي جعلت منه انساناً طموحاً، ومبادراً، ونشيطاً، وجريئاً جرأة محمودة، ورجل مجتمع، وقيادياً بطبعه، من ناحية أخرى. بل أضحى بفضل ذات الروح المبادرة والطموحة، سفيراً ورسولاً للغناء السوداني على مستوى العالم.
ظهر عبد القادر سالم ورفاقه على ساحة الغناء العام في السودان، وأنا وأبناء جيلي في نحو السنة الثالثة أو الرابعة من المرحلة الابتدائية، أي مع بواكير تفتح وعينا على فن الغناء عموماً، والشروع في التمييز بين ألوانه وتذوقها بصفة عامة. ولقد كانت دهشتنا بإيقاع المردوم، وأنغام الموسيقى القريبة من المقامات العربية التي تتسم بها الاغنية الكردفانية عموماً، لا تقل عن دهشة وانبهار سائر الناس في اطراف السودان الأخرى بها، ذلك على الرغم من أننا من كردفان الكبرى، إلا أن آذاننا قد نشأت واعتادت على أنغام وإيقاعات نمط الغناء الخماسي المنتشر في معظم انحاء السودان، بما فيها منطقة وسط وشمال كردفان التي هي منطقتنا.
ولكننا تذوقنا غناء عبد القادر سالم ورفاقه على كل حال، وأعجبنا به أيما إعجاب. وصرنا كثيراً ما نترنم في صبانا ، ونحن نسير في دروب قرانا بمثل قول عبد القادر:
الله الليموني … الله الليموني
والبرتكان الناير !!
ثم إنني خاصةً، أحببت غناء عبد القادر سالم أكثر ، عندما فعلت عبقرية المكان فعلها فيّ، فصارت عاملاً مساعداً، على ترسيخ فهم وتذوق وعشق غناء عبد القادر سالم لدي ، وذلك على إثر نقل والدي المعلم رحمه الله، مديراً لمدرسة ابتدائية بريفي الدلنج، قبيل منتصف سبعينيات القرن الماضي، وأنا آنئذ تلميذ بالمرحلة المتوسطة. ذلك بأن تلك هي المنطقة التي ولد فيها عبد القادر سالم، في بادية الحوازمة وجيرانهم من مختلف قاطني منطقة جبال النوبة الشمالية، بمناظرها الخلابة، ونسيمها المنعش العليل، وخضرتها المدهامة، وغدرانها المتدفقة، وجبالها العالية المختلفة الألوان، وقطعان مواشيها الراتعة، وأشجارها الباسقة، التي لا عهد لنا بها في دار الريح مثل؛ العرد والهبيل والصهب والحميض والقمبيل، والجوغان والكلكل وغيرها.
تلك لعمري مناظر تقفز لذهن المرء فورا، ويشده الحنين والنوستالجيا اليها بقوة، عندما يستمع إلى الاستاذ ِعبد القادر سالم وهو يشدو مثلاً ب ” رميته ” البدوية الشهيرة، التي جعلنا شطرا منها، في صدر عنوان هذه الكلمة التأبينية:
الزقاية الباردى
الفايتة الحدود مادى
الهبيب الهابى
طرق الشدر حاتى
يا برق الرشاش البسيرو على … الخ
أو قوله في الأخرى:
شن تهدي يا الهدّاية
القليب ما انبدل
والعين بقت بكّاية
تعبّي سحاب نهار
تشيل ليلا سرّاية
ويا شوقي الكتير بى رعودو دوداية !!
فمع هذا الشجن الأليم كما تصوره لنا هذه الصورة المعبرة عن تلك البيئة، بمفرداتها المحلية الصادقة، لا يملك العاشق الصب والشجي، إلا ان يذوب صبابة ووجدا.
أما الزقّاية الباردة ، فإنها من الفعل سقى يسقي فهي السقّاية صيغة مبالغة، أبدلت سينها زاياً ،،وذلك جائز لغويا. ومعناها الرياح البليلة الرخية ، التي تهب من جهة الجنوب نحو جهة الشمال، وتاتي مشبعة برذاذ الماء المبشر بانهمار الغيث، وتكون عادة منعشة ولطيفة، وغالباً ما تصحبها رائحة الثرى المبتل، من فعل المطر او ما يعرف في السودان ب ” الدعاش “.
هذا ، ولا يظنن أحد أن عبد القادر سالم، قد نمّط أداءه الغنائي، بقصره على هذه اللونية الكردفانية المردومية وحدها، ذلك بأن رصيده الثر من الأعمال الغنائية قد اشتمل بالفعل، على بضع اغنيات اخرى، جاءت متوافقة مع التيار العام للغناء السوداني الخماسي الغالب. ومثالاً على ذلك، أشهر أغنياته في مرحلته الباكرة، إلا وهي اغنية ” مكتول هواك يا كردفان “، فقد جاءت خماسية عادية على إيقاع التم تم الوسطي المعروف. وكذلك اغنية ” انت عابر سكة فايت ولا جيت قاصد تزورنا “، التي شاركته الأداء فيها أيضا، المغنية الراحلة ” حنان إبراهيم “. ولا ننسى بالطبع أن ِعبد القادر سالم، قد أدلى بدلوه أيضاً مع من سبقه واتى من بعده كذلك من المغنين، فأدى اغنية شهيرة من أغاني الحقيبة، هي أغنية ” يا مداعب الغصن الرطيب “، التي صاغ كلماتها الشاعر الرائد ” سيد عبد العزيز “.
كانت معرفتي بعبد القادر سالم منذ ان سمعت به، وظللت أستمع إلى أغنياته لنحو عقدين من الزمان، معرفة شهرة فقط، أي أنها من طرف واحد، بمعنى انني كنت اعرفه، ولكنه لم يكن يعرفني معرفة شخصية، حتى تهيأت لي فرصة معرفته عن كثب عندما قدم إلى العاصمة التشادية ” انجمينا “، بضع مرات خلال الاربع سنوات التي مكثتها في تلك المدينة، بحكم عملي دبلوماسيا بسفارة السودان المعتمدة فيها خلال النصف الاول من تسعينيات القرن الماضي. اذ كان عضوا دائم المشاركة بانتظام في اية بعثة فنية سودانية ، قدمت إلى تلك المدينة خلال تلك الفترة.
ولعل مما زاد من تعلق التشاديين بعبد القادر سالم وبغنائه، كونه قد عمل بعاصمة بلادهم، مديرا لمدرسة الصداقة السودانية التشادية، لبضعة أعوام ايضا في بحر ثمانينيات القرن الماضي، طبعا بالإضافة إلى تماهيهم بصورة طبيعية، مع لونية الغناء التي اشتهر بها، وذلك بحكم التداخل الإثني والثقافي بين البلدين.
وبحكم تعلق التشاديين عموماً بنظم الادارة ذات الجذور الفرنسية، ومصطلحاتها وتراتبيتها ، فإنهم كانوا يؤثرون مناداة عبد القادر سالم ب ” الديريكتير” اي المدير، يعنون مدير مدرسة الصداقة السودانية التشادية الآنف ذكرها.
حكى لي المرحوم الاستاذ عبد القادر، وانا أوصله بسيارتي إلى مكان كان يقصده في انجمينا ، ان مدير الامن في عهد الرئيس الأسبق حسين هبري، وكان رجلا صارما مخوف الجانب، قد اصطحبه ذات مرة في مشوار بسيارته ، وقد كان يعده صديقا له – على كل حال – اخرج مسدسه بحركة مقصودة ووضعه أمامه في ” طبلون ” السيارة، ثم وجه حديثه إلى عبد القادر قائلاً : ” ديركتير ، انتو بيت هنايي ده ما تدوروا تئجروا ولا ككيف ؟ “! قال: فرددت عليه: كيف الكلام ده .. نأجره منك طوالي يا السيد المدير !! اي سكنا لمجموعة من معلمي المدرسة، قال: فانفرجت أسارير الرجل ! . ذلك هو عبد القادر سالم الرجل الفكه ، خفيف الظل والروح.
أما عن عبد القادر الإنسان الدمث الخلوق، والصديق الصدوق، والأريحي الموطأ الأكناف، فحدث ولا حرج. ومما أذكره في هذا المقام، ولن أنساه ما حييت باذن الله، أنني كنت قد وقع اختياري مع الأطراف المعنية بالطبع، على أن استقدم في أمسية زفافي في اوائل تسعينيات القرن الماضي، ثنائي العاصمة، لكي يحييا تلك الأمسية، وكنت قد دعوت الاستاذ عبد القادر بصفته صديقا فقط. فشاء الله أن تغيب الاستاذ المرحوم إبراهيم أبو دية، نسبة لتعرضه لعارض صحي طارئ، وبالتالي فقد تغيب معه زميله الاستاذ السني الضوي أيضا، رغم أن فرقتهما الموسيقية قد حضرت إلى مكان المناسبة في الوقت المحدد. فما كان من الاستاذ عبد القادر سالم، إلا ان انقذ الموقف ، وغنى وأبدع وأطرب شهود ذلك الحفل ايما طرب. ثم انه اخذ من الثلاثين الف جنيها التي دفعتها اجرة مسبقاً لذينك المطربين الكبيرين في ذلك الوقت، أخذ عشرة آلاف جنيهاً فقط ، فنفحها العازفين، وحلف عليّ بالطلاق ان آخذ انا الباقي مساهمة منه.
رحم الله الفنان الكبير، والإنسان النبيل الدكتور عبد القادر سالم، وأكرم نزله عنده في عليين، وجعل البركة في ذريته، وألهمهم وجميع آل فقيدنا الراحل وذويه وزملائه وأصدقائه وتلاميذه وعارفي فضله ومعجبي فنه داخل السودان وفي شتى أنحاء المعمورة، الصبر الجميل وحسن العزاء .. إنا لله وإنا إليه راجعون.
**********
عمري ما بنسي حبيبي ود الناس يبقي لي وناس
كلمات تمشي مع الذاكرة وتمسك القلب من غير استئذان
هي اغنية عن الود الصافي وعن الناس البتعيش في القلوب لا في الصور
وعند ذكر الفنان الدكتور عبدالقادر سالم يجي الدعاء قبل الكلام
نسال الله له الرحمه والمغفره
رحم الله من غنى للانسان فصار صوته جزء من وجدان الناس وسيبقي اثره حيا في السمع وفي المعنى وفي الحنين
بروفيسور فيصل عبدالعزيز



