رحل فاروقنا يا حليلو خلا المجاس خالية
طبعها تنقد في الخيار الدنيا أم قدود البالية
رحيلك مر لكن النفس على الكريم ما غالية
يا ربي تجعل سكونه لوج في الجنان العالية
“محمد قش”
صدق من قال إن لكل مسمى نصيب من المسمى عليه، فقد كان فقيدنا الراحل العمدة فاروق أحمد إبراهيم زعيتير يتميز بكثير من صفات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أو الفاروق رضي الله عنه! وعموما، عندما يأتي الرحيل المر، ويحين الأجل المحتوم، تضيق المسافة بين الاسم والذكرى، فيبقى الاسم والصفات والمناقب والمآثر حاضرة بعد غياب صاحبها، وكلما طافت تلك الصفات بالعقل أو الذاكرة أنقدح في القلب شيء من الحسرة والأسى؛ خاصة إذا كان من فقدنا بقامة العمدة فاروق، عمدة أهلنا النواهية. ونحن إذ يعتصرنا الألم ويطبق علينا الحزن لهذا الفقد الجلل لا نقول إلا ما يرضي الله، مع إن القلب ليحزن والعين لتدمع، فهذا سبيل الأولين والأخرين وعز من قال: “إنك ميت وإنهم ميتون”.
لقد ترجل صباح هذا اليوم فارس من فرسان دار حامد، بل دار الريح بأكملها، وبرحيله نكون قد فقدنا آخر نجمة مضيئة في منظومة إدارتنا الأهلية، بل واسطة عقدها، وأحد الحكماء وأصحاب الرأي والحنكة، فهو في واقع الأمر قد أوتي الحكمة وفصل الخطاب واكتسب مجامع صفات رجل الإدارة الأهلية من عظماء كبار كانوا يزينون المجالس بالفطنة وحسن التدبير والفصل بين الناس بالحق والقسط المبين، لا يلتبس عدلهم بهوى، ولا يخافون في الحق لومة لائم، فأولئك الرجال، ومنهم الراحل فاروق، لم يتولوا مناصبهم إلا لخدمة أهاليهم والسعي للإصلاح بين الناس وفقا للشرع والعرف الراسخ. وعلاوة على ذلك ازداد فقيدنا العزيز كيل بعير، فهو لم يسع لمصلحة خاصة أو جاه أو تفاخر بين الناس، بل كان مضرب المثل في التعامل بشرف ومرؤة لا تخطئها العين ولا يخالجها شك؛ إذا تحدث أبان، وإذا حكم عدل؛ كما كان مستمعا حصيفا يترك المتحدثين يدلون بآرائهم ثم يلخصها لهم بصيغة وفي قالب يرضي الجميع، وهذه لعمري من صفات العباقرة والحكماء، فهو لم يكن عجولا ولا متهافتا، بل كان ديدنه الرزانة والتعقل، وهذا ما جعله مرجعا للناس يلجؤون إليه كلما حزبهم أمر أو استعصت عليهم مشكلة، فيجدون عنده الرأي السديد والقول الفصل.
العمدة فاروق، رحمه الله، لم يكن يجامل في الحق، وعلى سبيل المثال انعقدت ذات يوم جلسة للفصل في نزاع بين طرفين من القبيلة، وعندما تحدث من يفترض أن يكون حكما عدلا مال لأحد الطرفين، فبادره فاروق بقوله: يا هذا إما أن تكون حكما عدلا وإما تكون خصما، فما كان من ذلك الرجل إلا أن غادر المجلس! إن فقد العمدة فاروق يذكرني بحال بني النبهان الذين قال شاعرهم:
كأنّ بَني نبهانَ يومَ وفاته … نجومُ سماءٍ خرَّ من بينها البدرُ
شخصيا كنت كلما احتاج لمعلومة أو حتى لمجرد الونسة الحلوة، أتصل بالعمدة فاروق فيرد علي بلهجة حامدية خالصة: ” مرحب حباب أخويا” فأحس بنوع من السلوى، لأنني أجد فيها ريحة عقاب أهلي وكباري الفاتو! ألا رحم الله العمدة فارق، وعزاؤنا موصول لجميع الأهل في طيبة وفي دار حامد عموما، وديار النواهية على الخصوص. ورحم الله من كان اسمه عنوانا للحنكة والحكمة، فإن غاب جسده، سيبقى أثره، وستظل الحسرة تعتصر قلوبنا، وستظل ذكراه العطرة تحدو أرواحنا ما تعاقب الجديدان، فقد كان الفقيد مثالا للحكمة والتسامح وحسن الخلق، ومعرفة الحق ومقامات الرجال وفصل الخطاب.



