منوعات

ديار الحسن… اذا احننت اليها

محمد التجاني عمر قش

كلما طاف بالذهن أو مرّ بالخيال اسم مكان من تلك الديار، كأم بادر، والجمامة والكوكيتي ، تداعت إلى الذاكرة معاني الجمال والحسن، ونقاء الطبيعة، وحلاوة البادية، واستحضرت النفس روائع الناصر قريب الله، ورباعيات الصوفي العاشق، وذكريات حسن نجيلة، وجراري أم قيس، وبنات الشريف. إنها أسماء وأمكنة وشخصيات تشكل في مجموعها ذاكرة المكان، وتختزن شيئًا من روح تلك الديار وتاريخها الثقافي والاجتماعي. وقد كانت هذه الديار، حتى عهد قريب، تجسد صورة البادية السودانية في أبهى تجلياتها، وينطبق عليها قول الشاعر:
بها العينُ، والأَرآمُ يمشينَ خِلفة…. وأطلاؤُها ينهضنَ من كلِّ مَجثمِ
فقد حبتها الطبيعة بجمال أخاذ يتجدد مع تعاقب الفصول. ففي الصيف تكون ديار دَمَر، حيث تُختزن مياه الأمطار في المناهل الكبيرة، أو ما يعرف “بالأضاي، جمع أضاة”، وكلمة أضاة في العربية الفصحى تعني الغدير أو الماء المستنقع المتجمع من سيل أو غيره، وتجمع في الفصحى على أضوات، وأضيات، وإضاء، وتصغر بأضية! وهي المنخفضات والمواضع التي تتجمع فيها مياه الأمطار، فتظل موردا أساسيا للماء طوال أشهر الصيف، ومصدرا للحياة في تلك البيئة شبه الصحراوية. ويدمر حولها العربان في فترة الصيف لتوفر المياه، ووجود القرى حولها، ألم يقل شاعرهم:
بعدما أخّر حليلة الدمر يا الكير
حس جضيض كورك بودّر حنة التفجير
دي الما أتابقت بحوش لا اسنطت لصفير
علي هوجيمها سولب يا مقرعب طير
وفي وقت الدمر صيفا يتجمع العرب بأنعامهم وتراثهم فيضفون على تلك الديار مزيدا من الرونق والنشاط التجاري حيث يتبادلون المنافع مع التجار ببيع إبلهم وأغنامهم، ويبقون هنالك حتى تلوح علامات الخريف وتظهر “صفيحات الغُزٌل” وهي تلك السحب المتقطعة التي تبشر بقرب نزول المطر ويسميها بعضهم “أم بشار” وهي تأذن ببداية فترة النشوغ، وهي الرحيل بالإبل إلى حيث تنزل الأمطار مبكراً، وتخضر الأرض:
من طيرة أم بشّار
جانا السلف قطّار
اتلموا يا عمّار
فرق الموالف حار
أما حين يحل الخريف، فتتبدل ملامح الأرض، فترتدي حلة من الحسن؛ إذ تكسو الخضرة كثبان الرمال، فتبدو في حلة سندسية بديعة، تزينها نباتات الربع والحنتوت والبغيل وغيرها من نباتات البادية. وتمتلئ الوديان بمياه الأمطار، فتنساب في مجاريها وتروي الأرض والفرع، ويمتلأ الضرع، وتبعث الحياة في كل ما حولها، وعندها تخضر أشجار الكتر والمعراب والقفل والأندراب والقضيم، إلى جانب أنواع أخرى كثيرة من النباتات التي عُرفت بها ديار الريح. ويصبح المشهد لوحة طبيعية آسرة، تتداخل فيها زرقة السماء مع اخضرار النبات وذهبية الرمال، فتستعيد الأرض عافيتها، وتنبض البادية بالحياة بعد قيظ الصيف.
ولم تكن هذه الطبيعة مجرد مشهد جميل عابر، وإنما كانت جزءا أصيلا من حياة الناس وذاكرتهم؛ منها يستمدون الماء والكلأ، والأرزاق من حليب ولبن سائغ للشاربين، وحولها نسجوا حكاياتهم وأشعارهم وأغانيهم، وفي رحابها تشكلت شخصيات وذكريات ما زالت حاضرة في وجدان أبناء تلك الديار.ولعل أجمل ما في المكان أن جماله لم يكن جمال الطبيعة وحدها؛ فقد امتزج بجمال الإنسان، وبالشعر والغناء والحكايات الشعبية، فأصبح اسم الجمامة والكوكيتي وأم بادر وأمثالها لا يدل على جغرافيا فحسب، بل يستدعي عالمًا كاملًا من الذكريات، وعبق البادية، ودفء الأمكنة، وحنينًا إلى زمن كانت فيه الأرض والإنسان والطبيعة أكثر التصاقا وانسجاما.
قالت إحداهن من شعر الجراري وهي تتحدث عن دمر الإبل في أم بادر:
يا الكملتي أم بادر
يا الفلستي التاجر
الدور كاتلالك راجل
في الوعر المتكاجر
هذه الكلمات البسيطة في الواقع الأمر تصور مرحلة من نمط حياة متكامل، وهي تصف كل ما يتعلق بتلك الديار بما في ذلك عملية الدمر، يعني البقاء في مناطق وجود المياه مثل أم بادر حتى تشرب الإبل كل ما يتوفر من مياه في أضاة أم بادر، مع اتساعها، وفي تلك الأثناء يبيع الناس بعضا من إبلهم حتى يفلس التاجر، ثم تعود الشاعرة لتخاطب الناقة التي لم تفلس بالتجار فحسب، بل كانت من قبل سببا في موت رجل في تلك الغابات المتشابكة الأشجار، فهل غادرت الشاعرة من شيء يتعلق بحياة البادية؟
أم بادر، يا حضرات السادة، تهوي إليها أفئدة الشعراء من كل حدب وصوب فقد عشقها وتغنى بها سليل الدوحة الطيبية، الصوفي العاشق محمد شريف محمد سعيد العباسي، ويكفي أن يكون هذا الشبل من ذاك الأسد، فقد قال:
الشِتَا جَانا بيْ بَرْدُو وسِحَابُو الدَكَّنْ
ولِسَه قِيودنَا مِن أم بَادِر أَبَنْ ينفَكَّنْ
وَدَّ اللَّريَلْ اللُّمَاتُو بالصَيِ جَكَّنْ
فُراقُو خَلى رِيشاتْ القَلِبْ مَا بْرِكَّنْ
فعلى الرغم من كآبة الجو وبرودته في الشتاء، إلا أن هذا الشاعر لم يستطع الرحيل من أم بادر حيث تعلق قلبه بصبية كأنها ظبية جعلت قلبه يخفق كما الريشة، وهو لذلك لا يستطيع فراقها!
وبصراحة فإن احتفاء الناصر قريب الله بهذه المنطقة الرائعة، أعني أم بادر، قد فاق ما قالت عنها الشعراء من قبل ومن بعد فقد وصفها بأسلوب شاعري مفعم بالحب والرقة، فهو القائل:
أي حظ رزقته في الكمال وأحتوي سره ضمير الرمال
فتناهي إليك كل جميل قد تناهي إليه كل جمال
فكأن الحصباء فيه كرات قد طلاها بناصع اللون طال
وتعالت هضابك المشرئبات إلى مورد السحاب الثقال
وفتاة لقيتها ثم تجني ثمر السنط في انفراد الغزال
تمنح الغصن أسفلي قدميها ويداها في صدر آخر عال
شاقني صوتها المديد تنادي والعصافير ذاهب الآمال
يا ديارا إذا حننت إليها فحنين الغريب للترحال
فهو قد وصف جمال الطبيعة، وذكر حسن تلك الفتاة البدوية البريئة، وعبر عن حنين دافق لتلك الديار لما رأى فيها من رونق لا يضاهى مطلقاً. أما أغنية التراث التي شدت بها المطربة أم بلينا السنوسي فهي التي جعلت الناس يتذوقون إيقاع وفن الجراري عبر أثير إذاعة أم درمان:
الليله والليله
دار أم بادر يا حليلا
زولا سرب سربا
وختا الجبال غربا
ناولوني لي شربا
خلوني نقص دربا
ومرة أخرى هذه المفردات والعبارات البسيطة تحمل كثيرا من المعاني والدفق الوجداني العفوي الذي ينسجم مع حياة البداوة، وهي في ذات الوقت تعبر عن حب صادق للمحبوب الذي غادر الديار تاركا جبال أم بادر ودمرها حيث تقيم تلك المتيمة.
أما الجمامة فهي حكاية أخرى من الجمال والحسن، فاسمها مشتق من الأصل “جمّ” وهي تطلق على مستقر الماء أو العيون النابعة من الأرض؛ وهذا وصف ينطبق على تلك البلدة الجميلة التي تقع على طرف واحد من أكبر موارد المياه في دار الريح، وهي لذلك تجمع بين الماء والخضرة والوجه الحسن، إذ يقيم حولها نفر من أجمل الناس خلقة وخلقا. وقد قال الشاعر:
كان غنيت ما بتغانى للغنامة
وكان جنيت أبدا ما علي ملامة
أب رقبة السكونو أم سنطة والجمامة
ناس ود حامد بدقولو الدهب حوامة
وتكفي هذه الأبيات الجميلة دليلا على صحة كلامنا عن الجمامة وأهلها وساكناتها من الحسان اللائي فتن هذا الشاعر المرهف حتى كاد يجن. ومن جانب آخر نجد ضوة بنت عبد الزين، أطال الله عمرها، تقول وكأنها تدعو الله ألا ينزل المطر في الجمامة أو تجف أضاتها؛ ذلك لأنها سبب في فراق أحبتها الذين يرحلون مع الأبقار إلى تلك المنطقة فهي القائلة:
الجمامة تصوح
عليها بريق ما يلوح
صغيرة بتنوح
دايرة تسوق وتروح
ولعل القارئ الفصيح يلاحظ استخدام كلمة تصوح وهي من غريب الفصيح في لهجة دار الريح، وتعني أن يجف الماء وتنشف الأرض حتى تتشقق، لأن وجود الماء في الجمامة يعني لها فراق أحبابها، بيد أن هذا النوع الدعوات لا تحمل المعنى الحرف للدعوة، بل هي من قبيل التعبير عن بعض الأحاسيس الدفينة.
وأغذا دلفنا نحو الكوكيتي لرأينا نماذج متنوعة من الجمال والرونق فهي كأم بادر والجمامة تتجمع فيها المياه وتتحول بفضل الله إلى بركة كبيرة يتجمع حولها العرب وخاصة من رعاة الأبقار، فيضفون مزيدا من الحسن على الموقع بتراثهم ورقصاتهم وشعرهم الرقيق، ولذلك تغنى كثير من الشعراء بهذه القرية الوادعة ومنهم عبد الله الكاظم الذي يقول:
حمامة كان فريتي
قلبي الحنون سليتي
أمان كان تبيتي
بعيد من الكوكيتي
كان توم الروح لاقيتي
جيتي أو ما جيتي
ناري ماكلة كبيدتي
وقد شدا بهذه الكلمات المبدع عبد القادر سمال رحمه الله وهي على إيقاع الجراري الخفيف والسريع؛ ولذلك تتميز بقدر عالي من التطريب. ونجد أن زينب بت الشريف محمد عمر، إحدى شاعرات الكوكيتي قد تعلق قلبها بشقيقها الذي طال اغترابه في ليبيا فقالت:
الكوكيتي بقيت نعوفه
وقلبي لصق في صفوفه
توب عريتنا أب غوفه
أرح يا زهيرة نشوفه
وتخيل يا رعاك الله أن هذه الشاعرة قد بلغ الشوق مبلغ حتى شعرت بأن قبلها يلصق في صدرها، فدعت أختاها “زهيرة”، والتصغير هنا للتمليح، بأن تذهب معها لرؤيته في دار الغربة.
وعلى الرغم من كل هذا الجمال والحسن والطبيعة الخلابة إلا أن هذه الديار قد أصابها القَرَح، وامتدت إليها آلة الخراب بما كسبت أيدي الناس؛ فهجرها أهلها، وخفت رونقها، حتى إن الغيث لم ينزل عليها في هذه السنة العجفاء. فهل يا تُرى تستعيد عافيتها، وتسترد حسنها، حتى يتغنّى بها الشعراء وتغنّي لها أم بلينا السنوسي وعبد القادر سالم ؟ وهل إذا عاد إليها حسن نجيلة، سيجد حفيدات الغُفُل وزينب بت معافا ما زلن على تلك السجية البدوية الخالصة، أم أن الزمان قد جار عليهن، فغيّر ما كان فيهن من البساطة والعفوية وطيب الشمائل؟ ويا تُرى، هل تعود هذه الديار كما كانت؛ عامرةً بأهلها، مزهرةً بمراعيها، نديةً بأمطارها، نابضةً بحكاياتها وأغانيها؟ وهل يعود إليها ذلك الجمال الذي جعلها يوما موطنا للقصيد والغناء، ومُلهمةً للذاكرة والحنين؟ أم أن الزمان قد مضى بها إلى حيث لا رجعة، ولم يبقَ منها إلا أطلالٌ تسكنها الذكريات؟
أم بادر والجمامة والكوكيتي هي ليست مجرد موارد للمياه ومناطق للدمر، بل هي موائل للحسن والجمال والذوق البدوي الذي لا يعرف التزييف، ومراتع للنوق والغزلان والحسان؛ ولذلك كلما تذكرتها جال بخاطري قول الناصر قريب الله:
يا ديارا إذا حننت إليها فحنين الغريب للترحال

الرياض

19/8/2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى