
(1)
هبطت أرض مطار الخرطوم عند التاسعة صباح الجمعة أول مايو الجاري ، وكنت قد أقلعت من القاهرة عند الرابعة صباحا إلى بورتسودان ومنها بعد ساعة الخرطوم ..رحلة طويلة ولكن تاركو كانت في غاية الانضباط وطيب المعاملة …ولعل المفارقة كانت عندما غادرت بورتسودان الي جدة قبل حوالى خمسة عشر شهراً وبذات طيران تاركو ..كان قائد الطائرة الكابتن أشرف فاروق … واليوم وانا أغادر بورتسودان الي الخرطوم فإذا بي أسمع بأن الكابتن هو أشرف فاروق فاصررت على السلام عليه… وجلست الي جانبه ومساعده بدوي أبوبكر في كابينة القيادة… وقلت له زي ما طلعتني من البلد قبل أكثر من عام … اذا بك ترجعني… فنحن كدا حبابيب…وذكرته بأغنية من بف نفسك يا القطار (انت شلتو جيبو يا القطار).
في المطار استقبلني أخي معاوية وإبني أشرف فطلبت منهما أن نعاين الخرطوم قليلاً قبل التوجّه للجزيرة فاستقر الرأى ان نذهب إلى الحلفاية مربع 12… حيث لدى بناية هناك ..فعبرنا كبري الحديد إلى بحري ثم شارع الإنقاذ إلى هناك …حركة العربات قليلة …المارة قليلون. . …الدمار والخراب فوق الوصف ..أقل ما توصف به المدينة انها (مكشرة) فالغطاء الشجري أزيل تماماً…العمارات بقليل من الجهد يمكن أن ترجع كما كانت…. ولكن هناك أشجار تحسب أعمارها بالعشرات من السنين ..فكيف يمكن تعويضها؟…آخر مرة رأيت فيها الخرطوم كانت في 13 أبريل 2023 …وآخر مرة رأيت فيها مطار الخرطوم كانت في عام 2017 …فأنا لست من محبي الأسفار …
وهناك شي يمكن أن يقال في هذه التواريخ سنعود اليه لاحقا أن شاء إن شاء الله …
( 2 )
في طريق الخرطوم /مدني مازالت صفافير ناس الحركة موجودة َبكثرة … بعضها إيصالات… معظمها بدون (وأنا مابفسر وإنت ما تقصر) هذا من المناظر المستقبحة قبل الحرب فما بالك بها بعد الحرب ؟
دخلت قريتنا مع صلاة الجمعة فتوجّهت إلى المسجد العتيق مباشرة وبعد الصلاة رفعت الفاتحة في الأموات وما أكثرهم ..ثم شرعت في مصافحة المصلين فكانت الأحضان دافئة …العناق حاراً… والدموع طافرة … ديل أهلي …ولو ما كنت من زي ديل واسفاي واماساتي واذلي …ديل أهلي … تذكّرت محمد عبد الحي في العودة إلى سنار …. . .. .
الليلة يستقبلني أهلي
أرواح أجدادي تخرج من
فضة أحلام النهر ومن
ليل الأسماء
تتقمص أجساد الأطفال
تنفخ في رئة المداح
لتضرب بالساعد
عبر ذراع الأطفال
الليلة يستقبلني أهلي
(3)
أمضيت بقية سحابة اليوم في تطواف على المعازي والمرضى وعند المساء في فناء الدار حيث جلسنا على سرائر الحديد بعضها مفتول…. وليس هناك كراسي فقلت لهم اليوم فقط شعرت بقوة الشفشفة التي حدثت لنا في نوفمبر 2024… ومع شاى المغربية الذي كان بدون لبن تحدّثنا بحسرة عن خسارتنا في الثروة الحيوانية التي أبادها الدعامة … ففي قريتنا بدأ تحسين الماشية قبل حوالى ستين عاما يوم أن أحضر أحد أعمامنا ( تور جاموسي) للقيام بالواجب تجاه أبقاره البلدية… فيما بعد أحضر أحدهم أبقار كنانية وهي أجود البقر المحلي. مع ثيران مهجنة وظلت هذه العمليات إلى أن وصلنا مرحلة التلقيح الصناعي . …فتصاعد إنتاج اللبن من ستة أرطال للبقرة في اليوم إلى حوالي الخمسين رطلاً في اليوم ..وتطور الوزن ..من 150 كيلو إلى ما يقارب الخمسمائة كيلو … وقد حدث هذا في كل الجزيرة حيث اختفت البقيرات الحمراوات الصغيرات وحلت محلها الأبقار السوداء والبرقاء والآن ذهب معظمها إلى غير رجعة .
(4)
كل الخراب يمكن أن يعوض …العمارات يمكن أن ترقع وتصان ويمكن أن ينعاد بنائها ..العربات يمكن أن تشترى جديدة لنج ناهيك عن الكراسي وعدة الطعام …كل هذا في وقت وجيز ولكن تعويض الأشجار والأبقار يحتاج إلى نصف قرن من الزمان على الاقل هذا إذا أوتينا كل كنوز الدنيا .. لكي نصل مرحلة ما قبل الدعامة ..وهنا ينهض أمل دنقل
إنها أشياء لا تشترى
ذكريات الطفولة بين أخيك
وبينك
حسُّكما فجأةً بالرجولةِ
…. … …. …
هل يصير دمي بين عينيك ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس فوق دمائي ثياباً مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
نواصل إن شاء الله





