
دكتور/عبداللطيف البوني
بعد تحرير الجزيرة قبل عام تقريبا من اليوم وفي صباح يوم مغادرتي للقرية وانا أودع من الأهل من لم يستطع الحضور لمنزلي لوداعي ..تحاشيت المرور عليه رغم أنني كنت الأكثر التصاقا به طوال ايام العدوان وما تخللها من موت ودماء وجراح ونزوح ..فكم مرة كتمت فينا ونحن جالسين معا .. اما لماذا تحاشيت وداع محمد حسن (ابن خالي لزم ) والشهير بالمحامي لانه اقدم محامي في منطقة شمال الجزيرة فهو اول من فتح مكتبا للمحاماه في الباقير ثم المسيد واخيرا استقر بالكاملين … تقريبا كل المحامين اليوم في هذة المنطقة تدربوا عليه … أو تدربوا على من تدرب عليه … أي وداع في تلك الأيام كان يحمل في طياته بأنه الوداع الاخير… محمد كان طريح الفراش فالحرب حرمته من التداوي وزادت اسقامه كما وكيفا …ومع ذلك فقد كان يقاوم مقاومة باسلة … لم يتوقف عن المساسقة بين المكتب في الكاملين والبيت في اللعوتة الا بعد اطبق الدعامة حصارهم علينا وشفشفوا كل المتحركات في الجزيرة بعد سقوط مدني في ديسمبر ٢٠٢٣ … وانا الاخر لم تقصر الحرب معي فقد كنت منهك القوة منهار المعنويات مجروح الخاطر … ولكن لم اصل مرحلة الحاجة لاسعاف لكي ينقلني الي بورتسودان … كنا قد قررنا الخروج بعد تعافي قريتنا على أن اسبقه ثم ينتظر هو توفر الإسعاف …ولكن الشي لا يدركه الناس الحولينا ان محمد كان لا يطيق مفارقة القرية يوما واحدا ….فطوال الاربعين عاما الأخيرة لم يبت خارج بيته في القرية الا أياما تحسب على أصابع اليد الواحدة …ثم كان لديه احساس دفين بأنه اذا خرج من منزله لن يعود اليه ..لذلك كان يرد على كل من ينصحه بالخروج من أجل الاستشفاء (خلوني شوية)
بعد أن وصلت القاهرة كنا على تواصل دائم وكنت احثه على القدوم إليها ….فوصل قبل عدة اسابيع وكنت امضى معه الساعات الطوال والمفارقة ان ونستنا العادية كانت شاملة ولكن في القاهرة انحصرت في ذكريات الطفولة.. فتذكرنا احداثا كان عمرينا فيها لم يصل الخامسة .. محمد كان فنان طفولتنا ومازال صوته نديا خاصة عندما يغني لصلاح ابن البادية ..كان رفيق طفولتنا وشبابنا الإنسان الذكي الموهوب الفنان إدريس عبد الله الذي رحل عن دنيانا قبل أربعين عاما محور ونستنا في القاهرة … ثم جاءنا اخي وابني عمي لزم معاوية البوني مستشفيا هو الاخر.. وثلاثتنا نشانا ودرسنا معا واسرتنا الممتدة واحدة فتحول ليلي في القاهرة الي فريق قدام في قرية اللعوتة..معاوية اضاف بنودا جديدة لونستنا وكان اهمها بند العلاج عن طريق الغذاء فقد كان مرجعا في هذا الأمر .. ومحمد يتجول من طبيب الباطنية الي طبيب القلب تدهورت صحته ودخل في غيبوبة ثم صعدت روحه الي بارئها في إحدى مستشفيات القاهرة َوتمت الصلاة عليه بعد صلاة جمعة بمسجد مصطفى محمود بالمهندسين …وقبر بمقابر عين شمس بعيدا عن تراب القرية التي احب …
رحيل محمد ادخلني في تجربة جديدة فرغم ان الله اكرمني بحضور وفاة امي وابي الا أنني لم احضر لحظات صعود الروح ولم أقرب من المغسلة و الحانوت والذي منه الا مع جثمان محمد .. فقد وجدت نفسي مع معاوية كبار القوم ..يوم الجمعة الماضي رجع معاوية للسودان بعد أن اكمل مراجعاته الطبية ..فوجدت نفسي وحيدا حزينا مفطور القلب … واقفا بين يافطتين واحدة مكتوب عليها الرحيل بعد محمد والثانية المغادرة بعد معاوية .. طبعا الرحيل امر محتوم..فسالت الله المغادرة بعد معاوية ثم الرحيل من هناك الي حيث رحل محمد.. فانا محبي عتب الجديدة وهذة مقابر اللعوتة … و قديما قالوا (المربه تربه) فمكان نشأتك هو مكان تربتك اي قبرك … هذا يذكرني صديقي الراحل الحبيب جيب الله وهو سائق أبطأ بص في زلط التي الخرطوم ..ومع ذلك كان محبوبا ذو شعبية كبيرة .. لأنه كان ذو طرفة إذ كتب على بصه من الداخل (دايره صبر) وتقوى إذ كان يتوقف عند أقرب مسجد عندما تدركه الصلاة دون أي إذن من اي راكب ..كنا ذات يوم ماطر والشمس متوارية خلف الغيوم والأرض مخضرة والشجيرات متناثرة .. في دافنة في المقابر الجديدة…. فقال لي الحبيب بالله شوف المقابر دي جميلة كيف ؟ ..ياخي نحن محظوظين لأننا سندفن فيها بدل القديمة ديك .. سالته انت جاهز ؟ فرد بروحه المرحة … والله أكان لقينا زمن شوية نجمع زيادة حسنات ما بطال …لقد أكرم الله الحبيب إذ دفن حيث احب واكرمه كذلك لانه رحل قبل ١٥ أبريل ٢٠٢٣ ..الحبيب هذا ابن خالة محمد حسن …اللهم ارحم عبدك محمد حسن المحامي الذي كان زاهدا في متاع الدنيا واجعل قبره روضة من رياض الجنة واجعل البركة في عقبه وارحمنا اذا ما صرنا إلى ما صار اليه ..






