ثقافة

الأمثال السودانية.. مدخل لفهم العقل الجمعي وتحولات المجتمع

الشارقة _نبأ اليوم

في مساء ثقافي ثري بالمعرفة والحنين، نظم المركز الاجتماعي السوداني بإمارة الشارقة محاضرة بعنوان:

“الأمثال السودانية ومدلولاتها: مدخل لدراسة العقل الجمعي السوداني”، قدمها الباحث الأستاذ مصطفى أبشر عدلان، وأدارها الأستاذ محمد سيد أحمد، وسط حضور نوعي من المهتمين بالشأن الثقافي والتراثي.

استهل الأستاذ مصطفى أبشر حديثه بالتأكيد على أن الأمثال ليست عبارات عابرة أو أقوالاً شعبية للتندر، بل هي مرجع إنساني عالمي تعكس به الشعوب خبراتها وتجاربها وتصوراتها للحياة. وأوضح أن المثل الشعبي يُعد مدخلاً أساسياً لدراسة العقل الجمعي، لما يحمله من أنماط تفكير وقيم اجتماعية متراكمة عبر الأجيال.

وتناول المحاضر العلاقة الوثيقة بين الأمثال وعلوم الأنثروبولوجيا والفلكلور، مبيناً أن الباحثين في هذين المجالين ينظرون إلى المثل بوصفه نصاً ثقافياً مكثفاً، يختزن في إيجازه بنية المجتمع وطرائق تفاعله مع السلطة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية. وأشار إلى أن من أبرز سمات المثل الشعبي الإيجاز والتكثيف، وكونه في الغالب بلا مصدر محدد، إذ يتشكل عبر التداول الشفاهي حتى يصبح ملكاً للجماعة.

واستعرض الأستاذ أبشر عدداً من سمات الأمثال السودانية تحديداً، موضحاً ما تتسم به من واقعية مباشرة، وروح نقد اجتماعي ساخر، وارتباط وثيق بالبيئة المحلية والأنماط المعيشية. كما بيّن كيف يمكن استخدام الأمثال كأداة لفهم الحراك الاجتماعي، وأنماط التعامل بين الأفراد، وتصورات المجتمع حول السلطة، والعمل والأسرة والانتماء.

وفي سياق تاريخي لافت، أشار المحاضر إلى اهتمام الإدارة البريطانية خلال فترة الحكم الثنائي بدراسة الأمثال السودانية، حيث استعان بعض الباحثين المنتمين إلى جامعات عريقة مثل أكسفورد وكامبريدج بجمعها وتحليلها، في محاولة لفهم مداخل المجتمع السوداني وأنماط تفكيره، وهو ما يعكس إدراكاً مبكراً لأهمية الموروث الشفهي في قراءة البنية الاجتماعية.

كما تطرق المتحدث إلى جهود المؤرخين والباحثين السودانيين في جمع وتوثيق الأمثال، ومن بينهم نعوم شقير الذي اهتم بتدوين جوانب من التراث السوداني في كتاباته التاريخية، وبابكر بدري رائد تعليم البنات في السودان، الذي أسهم في حفظ كثير من المرويات الشعبية ضمن سياقاته التربوية والاجتماعية.

وشهدت المحاضرة استعراض عدد من الأمثال السودانية، مع شرح دلالاتها وسياقات استخدامها، حيث تفاعل الحضور مع الطروحات التي ربطت بين المثل الشعبي وتكوين التفكير الجمعي السوداني، مؤكدين أن هذا التراث الشفهي لا يزال حياً ومؤثراً في الحياة اليومية.

واختُتمت الأمسية بنقاش مفتوح أدارَه الأستاذ محمد سيد أحمد، تناول فيه الحضور أسئلة حول آليات توثيق الأمثال، وسبل الإفادة منها في الدراسات الاجتماعية المعاصرة، في أمسية جمعت بين الطرفة والمعرفة، وأعادت الاعتبار للمثل الشعبي بوصفه مرآةً صادقة لروح المجتمع.

زر الذهاب إلى الأعلى