مقالات

شي من الجدية .. السجل الأكاديمي الوطني والتحول الرقمي

بين السيادة القانونية ومعايير التوثيق قراءة فنية وقانونية في الجدل الدائر

وليد محمد المبارك أحمد

مدير إدارة البحث والتطوير وضمان الجودة

الإدارة العامة لتقانة المعلومات والاتصالات

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

أثار الجدل الذي صاحب استقالة أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم نقاشًا واسعًا تجاوز حدود الواقعة ذاتها، ليعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية تتعلق بمفهوم التحول الرقمي في التعليم العالي، وحدود الاستقلال المؤسسي، ومعنى السيادة الرقمية، وسلطة الدولة القانونية في حماية السجل الأكاديمي الوطني والتحقق من صحة الوثائق والشهادات الأكاديمية.

وانطلاقًا من موقعي الفني والمهني، يهدف هذا المقال إلى مقاربة القضية بهدوء وتحليل، بعيدًا عن الشخصنة أو السجال، وبالاستناد إلى الوقائع والمعايير الفنية والقانونية المعتمدة.

أولًا: التحول الرقمي في التعليم العالي… مسار تراكمي لا ادعاء طارئ

لم يكن التحول الرقمي في قطاع التعليم العالي السوداني نتاجًا لظرف الحرب أو استجابة متأخرة للأزمات، بل هو مسار مؤسسي ممتد منذ أوائل تسعينات القرن الماضي.

فمنذ العام 1992م بدأ توزيع الطلاب على مؤسسات التعليم العالي إلكترونيًا، وفي العام 2000م تم إتاحة عرض نتائج القبول عبر الموقع الرسمي للإدارة العامة لتقويم وتوثيق الشهادات (admission.gov.sd).

ثم تطور الأمر بإنشاء نظام للتقديم الإلكتروني في 2009م، قبل أن يتم التفعيل الكامل لمنظومة التقديم الإلكتروني لمؤسسات التعليم العالي في العام 2014م، لتصبح عملية القبول منظومة رقمية متكاملة تشمل: التقديم الإلكتروني، السداد الإلكتروني، التوزيع الإلكتروني للطلاب، إعلان النتائج إلكترونيًا، وإرسال كشوفات المقبولين للجامعات والكليات عبر منظومة خاصة ومؤمنة.

وقد دعم هذا المسار ببنية تحتية شبكية وطنية متخصصة عبر شبكتي البحث والتعليم (سودرن) وشمس، اللتين وفرتا بيئة اتصال خاصة وآمنة ربطت مؤسسات التعليم العالي ببعضها البعض وبالوزارة، في إطار يعزز السيادة الرقمية ويحفظ سلامة البيانات.

ثانيًا: ما هي الشهادة الإلكترونية؟

التعريف الفني والضوابط القانونية وفق المعايير الدولية (ISO / ETSI / UNESCO)

وفقًا للمفاهيم المعتمدة دوليًا، لا تُعد الشهادة الإلكترونية مجرد نسخة رقمية من شهادة ورقية، ولا ملفًا إلكترونيًا بصيغة (PDF)، وإنما هي وثيقة أكاديمية رقمية أصلية تُنشأ وتُدار وتُتحقق داخل منظومة معلومات مؤسسية موثوقة، وتستمد قيمتها القانونية والفنية من سلامة النظام المصدر، لا من الشكل الظاهري للوثيقة.

ويتقاطع هذا المفهوم مع ما أقرّته منظمة اليونسكو (UNESCO) بشأن Digital Credentials بوصفها جزءًا من حوكمة نظم التعليم وجودة المخرجات الأكاديمية، ومع المعايير الدولية الصادرة عن المنظمة الدولية للمعايير (ISO) والمعهد الأوروبي لمعايير الاتصالات (ETSI)، وعلى وجه الخصوص:

• ISO 15489 الخاص بإدارة الوثائق والسجلات، والذي يشترط أن تكون الوثيقة الرقمية جزءًا من نظام سجلات رسمي يضمن الأصالة، والموثوقية، وسلامة المحتوى، وقابلية الاسترجاع.

• ISO/IEC 27001 الخاص بنظم إدارة أمن المعلومات، والذي يفرض ضوابط صارمة لحماية البيانات من الفقدان أو التلاعب أو الوصول غير المصرّح به، ويجعل أمن السجل شرطًا لصحة الوثيقة الصادرة عنه.

• إطار ETSI eIDAS الأوروبي، الذي يميّز بوضوح بين التوقيع الإلكتروني والتوقيع الرقمي المؤهّل (Qualified Electronic Signature)، ويجعل الأخير أساس الحجية القانونية الكاملة للوثائق الرقمية الحساسة، بما في ذلك الشهادات الأكاديمية.

وبناءً على هذه المرجعيات، تُعد الشهادة الإلكترونية سليمة فقط إذا توفرت فيها الشروط الآتية:

1. أن تكون مولّدة أصلًا داخل نظام معلومات رسمي معتمد.

2. أن تكون مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالسجل الأكاديمي الأصلي للطالب (قبول – مسار – تخرج).

3. أن تحتوي على معرّفات رقمية فريدة تضمن عدم التكرار وسهولة التتبع، وفق ISO 15489.

4. أن تكون قابلة للتحقق الآني عبر جهة سيادية مختصة.

5. أن تكون محمية بآليات سلامة البيانات وعدم الإنكار، عبر توقيع رقمي مؤهّل وفق ETSI eIDAS.

6. أن تصدر من بيئة معلوماتية تطبّق ضوابط أمن المعلومات وفق ISO/IEC 27001.

وأي وثيقة لا تستوفي هذه الشروط، مهما وُصفت بأنها “إلكترونية”، تظل ضعيفة الحجية فنيًا وقانونيًا، ولا تصلح أساسًا لمنظومة وطنية للتحقق من الشهادات.

ثالثًا: السيادة الرقمية ومسؤولية الدولة عن السجل الأكاديمي

تعني السيادة الرقمية في التعليم العالي امتلاك الدولة والتحكم الكامل في السجلات الأكاديمية للطلاب وأعضاء هيئة التدريس والبحث العلمي، وهي مسؤولية لا يمكن تفويضها أو تجزئتها باسم “الاستقلالية المؤسسية”.

بل إن هذه الواقعة تحديدًا تُظهر بوضوح أن وجود سجل أكاديمي وطني مركزي لم يكن عبئًا على المؤسسات، بل شكّل شبكة أمان سيادية أنقذت العملية الأكاديمية من الانهيار الكامل.

ففي أعقاب الحرب، وما ترتب عليها من فقدان جامعة الخرطوم لبيانات القبول والتسجيل لعدد من السنوات، تقدّم أمين الشؤون العلمية بالجامعة نفسه، بموجب خطاب رسمي مؤرخ في 11 يناير 2024م، ورقم (5805110124/خ/ش/ع)، بطلب إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لمدّ الجامعة بسجل القبول للأعوام من 2012م إلى 2022م، بعد تعذّر الوصول إلى البيانات الأصلية داخل الجامعة.

وتؤكد هذه الحادثة عمليًا أن السجل الأكاديمي الوطني المركزي لم يكن تهديدًا للاستقلال المؤسسي، بل كان المرجع الوحيد الذي مكّن الجامعة من استعادة بياناتها الأساسية وخدمة طلابها وخريجيها.

رابعًا: سلطة التوثيق بين القانون وتكامل السجلين

قانونيًا، لا يمكن فصل سلطة التوثيق عن سلطة الترشيح والقبول، وهي سلطة ممركزة أصلًا لدى وزارة التعليم العالي.

فالشهادة الأكاديمية ليست مجرد وثيقة تخرج، بل هي نتاج مسارين متكاملين: ملف القبول وملف التخرج، وأي عملية توثيق لا تتحقق من تطابق المسارين تمثل خطرًا مباشرًا على مصداقية المنظومة التعليمية.

خامسًا: خصخصة التوثيق… انحراف تقني وخيار مرفوض

إن الاستعانة بشركات خاصة في التحقق من الشهادات أو إدارة السجلات الأكاديمية تمثل نموذجًا من الرأسمالية المتوحشة وخصخصة وظيفة سيادية بغطاء تقني.

وفي السياق السوداني، حيث ظل التعليم العالي خدمة عامة ذات طابع وطني، فإن خصخصة التوثيق تعني نقل سلطة الدولة إلى السوق، وتفكيك المرجعية الوطنية، وتهديد العدالة وتكافؤ الفرص.

خاتمة

ما يدور اليوم حول السجل الأكاديمي والتحول الرقمي ليس خلافًا إداريًا عابرًا، بل نقاش حول مستقبل الدولة ومؤسساتها.

فالتحول الرقمي الحقيقي لا يقوم على الشعارات، بل على حوكمة صارمة، وأنظمة مؤمنة، ومرجعية قانونية واضحة.

والسيادة الرقمية ليست ترفًا، بل شرطًا لحماية حقوق الطلاب وصون سمعة التعليم العالي السوداني.

الأشخاص يرحلون، أما السجلات فهي ذاكرة الدولة… ولا تُدار إلا بسيادة كاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى